أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

182

العقد الفريد

فحمل عليه رجل من طيء فقتله ، فرأي أثر السجود قد لوّح جبهته ، فندم على قتله : مرداس ومقتله : وكان مرداس أبو بلال قد شهد صفّين مع علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، وأنكر التحكيم ، وشهد النّهروان ونجا فيمن نجا . فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى شدّة الطلب للشّراة « 1 » ، عزم على الخروج ، فقال لأصحابه : إنه واللّه ما يسعنا المقام مع هؤلاء الظالمين ، تجري علينا أحكامهم ، مجانبين للعدل مفارقين للفضل . واللّه إن الصبر على هذا لعظيم ، وإنّ تجريد السيف وإخافة السبيل لشديد ؛ ولكنا ننتبذ « 2 » عنهم ولا نجرّد سيفنا ولا نقاتل إلا من قاتلنا . فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا ، منهم : حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصّريمي ، فأرادوا أن يولّوا أمرهم حريثا فأبى ، فولوا أمرهم مرداسا ، فلما مضى بأصحابه لقيهم عبد اللّه بن رباح الأنصاري ، وكان له صديقا ؛ فقال له : يا بن أخي ، أين تريد ؟ فقال : أريد أهرب بديني ودين أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة . قال له : أعلم أحد بكم ؟ قال : لا . قال : فارجع . قال : أو تخاف عليّ مكروها ؟ قال : نعم ، وأن يؤتى بك . قال : فلا تخف . فإني لا أجرد سيفا ولا أخيف أحدا ولا أقاتل إلا من قاتلني . ثم مضى حتى نزل آسك ؛ فمرّ به مال يحمل إلى ابن زياد وقد بلغ أصحابه الأربعين ، فحطّ ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه وترك ما بقي ، وقال : قولوا لصاحبكم إنما أخذنا أعطياتنا . فقال له أصحابه : لما ذا تترك الباقي ؟ قال : إنهم يقسمون هذا الفيء كما يقيمون الصلاة ، فلا تقاتلوهم ما داموا على الصلاة . فوجّه إليهم ابن زياد أسلم بن زرعة الكلابيّ في ألفين ، فلما وصل إليهم ، قال له مرداس : اتق اللّه يا أسلم ، فإنا لا نريد قتالا ولا نروّع أحدا ؛ وإنما هربنا من الظّلم ،

--> ( 1 ) الشراة : الذين اشتروا الآخر بحياتهم . ( 2 ) ننتبذ : نبتعد ونعتزل .